تدويخ الحيوان قبل ذبحه
موضوع المسألة: تدويخ الحيوان قبل ذبحه.
🔴 السؤال:
كثر في هذه الأيام الحديث عن المشروع الذي تقدمت به وزارة التجارة فيما يتعلق بالأغذية الحلال، وبالخصوص في مسألة تدويخ الحيوان قبل ذبحه، وفي مسألة التسمية وزيادة الرحمن الرحيم فما هو حكم ذلك؟
🔴 الجواب:
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من توضيح المسألة حتى لا يبقى فيها التباس، وحتى لا يخوض فيها بعض من لا علم له بالموضوع ويثير شكوكا وأوهاما تجعل الناس في حيرة من الأمر، وربما استغلها بعض المتصيدين في الماء العكر يريد من ورائها شهرة أو يصنع لنفسه اسما.
إن تدويخ الحيوان لا يعني صرعه، بل جعله يهدأ ويفقد الانتباه لوقت قصير فقط يتمكن خلاله الذباح من ذبحه أو نحره، وهذا لا يكون إلا في الحيوان الضخم كالثور، أو فيما يعسر ذبحه كالدجاج إذا ذُبِحَ بالآلة الكهربائية، وليس في كل مذبوح كما زعم بعض الخائضين في الموضوع.
وما قاله البعض من احتمال موت الحيوان خلال التدويخ غير صحيح لاعتبارين:
الأول: أن الذبح يكون بمراقبة البيطري، وهو يقوم بمعاينة الذبيحة والتأكد منها.
والاعتبار الثاني: أن نسبة احتمال الموت منعدمة أو قليلة جدا، ولا ينبغي ترك الأمر الغالب لأجل احتمال ضعيف جدا، ولو كان ما قاله هؤلاء صحيح لمنع النبي ﷺ من ذبح الشاة إذا أُصِيبَتْ وأوشكت على الموت، لاحتمال موتها قبل ذبحها، وهذا الاحتمال ألغاه النبي ﷺ ولم يعتبره، ففي سنن أبي داود بسند صحيح عن عطاء بن يسار عن رجل من بني حارثة «أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ أُحُدٍ، فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ، فَأَخَذَ وَتِدًا فَوَجَأَ بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا».
وفي صحيح البخاري عن كعب بن مالك رضي الله عنه «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، «فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا».
وقوله: «فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا»، أي أشرفت على الموت.
وأما ما يقوله البعض من أن التدويخ فيه تعذيب للحيوان، فهو غير صحيح، ويمكن أن نقول بأنه يريح الذبيحة حتى لا تتحرك وتضطرب فتؤذي نفسها ومن يتولى ذبحها، وكل ما فيه إراحة للحيوان بتعجيل عملية الذبح وتسهيله فهو مطلوب شرعا، لما رواه مسلم عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
وقد شرع النبي ﷺ ربط الناقة عند التذكية حتى لا تشرد ويسهل عقرها كما في الصحيحين «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ»، فلماذا لا يقول هذا المدعي: لا يجوز فعل ذلك لما فيه من تعذيب الحيوان؟
وفي الأخير أقول لهؤلاء الذين يخوضون فيما لا يحسنون: اتقوا الله تعالى، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].
وصدق سفيان الثوري رحمه الله لما قال: «إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصَةُ مِنْ ثِقَةٍ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ».