مشروعية درس الجمعة
موضوع المسألة: مشروعية درس الجمعة.
🔴 السؤال:
من أعضاء المجلس العلمي لمديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية الجزائر، نرجو من حضرتكم إيضاح وتفسير المعنى في حديث «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ»، ونرجو منكم التفصيل فيه حتى يرتفع الالتباس ويزول الإشكال، وجزاكم الله خيرا وأحسن إليكم.
🔴 الجواب:
جرت عادة أهل الجزائر منذ فترة طويلة أن يقيموا درس الجمعة بعد الزوال وقبل الأذان الثاني، لحاجة الناس إلى تعلم أمور دينهم وتفقيههم في مسائل العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق، وكان الأمر محل اتفاق بين الأئمة ولم يحدث أي إنكار منهم لهذا العمل، ولم يعترض عليه أحد، بل مارسوا التدريس عمليا يوم الجمعة وحرصوا على إفادة الناس وتعليمهم.
وكان رواد الدعوة والإصلاح من جمعية علماء المسلمين أمثال ابن باديس والإبراهيمي والعقبي وغيرهم رحمهم الله تعالى يدرسون يوم الجمعة ويستغلون هذه الدروس أحسن استغلال في نشر العلم وبث الوعي، ولم يصدر منهم أي إنكار لها ولا رأوه بدعة ولا اعتبروه منكرا، وهم من هم في العلم والديانة والورع.
وفي الآونة الأخيرة ظهرت بعض الأصوات تدعو إلى نبذ درس الجمعة وإلغائه، بدعوى أنه من المحدثات ومخالف للهدي النبوي.
وأصدر بعضهم فتاوى تقتضي عدم مشروعية الدرس، وتشدد بعضهم فيه حتى حكم عليه بالحرمة ووصفة بالبدعة، ومعظم هذه الفتاوى صادرة من أئمة من المشرق العربي.
ومنهم من استهجنه ولم يستسغه، ولا عجب في ذلك، لأنه غير معهود في بلادهم ولا مألوف بينهم، والناس أسرع إلى رفض ما لم يألفوا ومعاداة ما جهلوا.
وإلقاء الدرس قبل خطبة الجمعة مما شاع في بلادنا، لأن هذا الوقت هو الذي يجتمع فيه معظم المصلين حتى تكتظ بهم المساجد وتزدحم بهم أرصفة الشوارع، فمن الحكمة أن يستغل أئمة المساجد مثل هذه الفرصة في الدعوة إلى الله، ويستفيدوا من الحضور المكثف للمصلين في نشر عقائد الإسلام الصحيحة وتعاليمه السمحة، ومحاربة الآفات الفاسدة والأخلاق السيئة، ودحض شبهات المبطلين وخرافات الزائغين.
ونظرا لأهمية الموضوع وخطورته سأتناوله بعون الله تعالى وحسن توفيقه بالبحث والدراسة، محاولا بذلك رفع الإشكال المطروح وإزالة اللَّبس فيه، سائلًا الله تعالى العون والتوفيق.
القائلون بمنع درس الجمعة.
انقسم القائلون بمنع الدرس يوم الجمعة قبل الصلاة إلى فريقين:
الفريق الأول: وهم الأكثر، أنه مكروه وليس حراما.
والفريق الثاني: أنه محرم، وأنه بدعة يجب تركها.
أدلتهم في منع درس الجمعة.
استدلوا لعدم مشروعية درس الجمعة بما يأتي:
1 ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ، وَنَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ».
والحديث يدل على عدم جواز التحلق قبل صلاة الجمعة، ولو كان التحلق لنشر العلم والتذكير بالمواعظ.
ويشمل النهي من يقوم أو يجلس على كرسي ليعظ الناس، أو يلقي درسا والناس ملتفون حوله ومتوجهون إليه ويصغون إليه.
2 ـ لأن إقامة الدرس يوم الجمعة قبل الصلاة أمر محدث لم يكن في عهد النبي ﷺ، فوجب تركه، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
3 ـ ولأن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لم يكونوا يلقون الدرس قبل الجمعة، ولا شك أن هديهم رضي الله عنهم أكمل الهدي وأتمه.
وقد أُمِرْنَا باتباعهم والأخذ بسنتهم، فعن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ».
وكانوا رضي الله عنهم إذا جاءوا المسجد لصلاة الجمعة صلوا ما كتب الله لهم ثم جلسوا يذكرون الله تعالى حتى يخرج الخطيب ولا يقومون إلا للصلاة.
ففي الموطأ عن مالك عن ابن شهاب عن ثعلبة بن أبى مالك الْقُرَظِيِّ أنه أخبره «أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ، فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ ـ قَالَ ثَعْلَبَةُ: ـ جَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَخُرُوجُ الإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ وَكَلاَمُهُ يَقْطَعُ الْكَلاَمَ».
4 ـ أن المسلم مطالب يوم الجمعة بالاشتغال بذكر الله عز وجل وبقراءة القرآن وبالصلاة، وفي الجلوس لسماع الدرس شغل للناس عن الاشتغال بالصلاة وعن ذكر الله عز وجل.
5 ـ أن درس الجمعة يتسبب في التشويش على الناس، لأن استعمال مكبر الصوت أثناء الدرس يزعج أهل المسجد ويشوش عليهم، ويحصلُ برفع صوته أذى للمنشغلين بالصلاة أو الذكر أو التلاوة وهم لا يرغبون في الاستماع للمدرس.
وقد أنكر النبي ﷺ على الذين كانوا يصلون أوزاعا متفرقين فيجهرون بالقراءة، فعن الْبَيَاضِيِّ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ».
6 ـ أن خطبة الجمعة تغني عن الدرس، لاشتمالها على التذكير والموعظة الحسنة، وأما من شاء الزيادة في الدرس والتعليم فليكن ذلك في الأوقات الأخرى.
مناقشة الأدلة.
بعدما ذكرت أهم ما استند إليه المانعون من الدرس من أدلة وحجج، سأناقش هذه الأدلة، لتتضح المسألة ومن ثَمَّ يتضح الرأي الصواب إن شاء الله تعالى.
أولا: الاستدلال بحديث النهي عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة.
أهم ما استدل به المانعون من الدرس قبل صلاة الجمعة حديث النهي عن التحلق، ولتوضيح المسألة وبيان بطلان استدلالهم به لابد من توضيح أمور وهي:
1 ـ معنى التحلق.
قوله: «نَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ»، أي جلوس الجماعة مستديرين حلقا حلقا.
قال ابن الأثير: «الحِلَق بكسر الحاء وفتح اللام، جمع الحَلْقة مثل قَصْعة وقِصَع، وهي الجماعة من الناس مستديرون كحَلْقة الباب وغيره، والتَّحَلُّق تَفَعُّل منها، وهو أن يَتَعمَّدوا ذلك».
وهذا المعنى منتف في درس الجمعة، لأن الناس لا يكونون فيه حلقا، وإنما يكونون في صفوف متراصة متوجهين إلى المدرس الجالس في قبلتهم كجلوس الخطيب.
2 ـ ألفاظ الحديث.
ورد الحديث في رواية ابن أبي شيبة وابن خزيمة: «وَعَنِ التَّحَلُّق لِلْحَدِيثِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاَةِ».
وفي رواية لأحمد وابن خزيمة: «وَعَنْ الْحِلَقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ».
وفي رواية للخطيب البغدادي: «أَوْ تُحْلَقَ الْحِلَقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ».
وفي رواية أخرى للخطيب البغدادي: «وَيُحْلَقَ الْمَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ».
وفي رواية للطبراني والخطيب البغدادي: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ».
وهذه الروايات يفسر بعضها بعضا، وتوضح المعنى المراد من النهي كما سيأتي.
فقوله: «وَعَنْ الْحِلَقِ» وقوله: «أَوْ تُحْلَقَ الْحِلَقُ» يدل على أن النهي إذا كثرت الحلق وتعددت، وليس ذاك في درس الجمعة، لأن المدرس واحد والناس جالسون في صفوف متراصة مستقيمة يتصل بعضها ببعض.
وقوله: «وَعَنِ التَّحَلُّق لِلْحَدِيثِ»، يفهم منه أن النهي عن التحلق لأجل الخوض في الحديث والكلام بما لا يهم، ودرس الجمعة الغاية منه بث العلم وإرشاد الناس وتعليمهم وإحياء السنة.
3 ـ علة النهي عن التحلق قبل الصلاة.
ذكر الأئمة للنهي عن التحلق قبل الصلاة عدة علل، نوجزها فيما يأتي:
التعليل الأول: لأنه يقطع الصفوف ويمنع من إتمامها، وهم مأمورون بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول.
ويشهد لهذا التعليل ما جاء عن جابر بن سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ! اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا، فَقَالَ: مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ.
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ».
وهذا المعنى ليس موجودا في درس الجمعة، لأن الحضور يسوون صفوفهم ويتمونها الأول فالأول على الهيئة التي يجلسون فيها للصلاة.
التعليل الثاني: لأنه يشغل عن سماع خطبة الجمعة، والإنصات للخطبة واجب لما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ».
قال الخطيب البغدادي: «هذا الحديث محمول على أن تكون الحلقة بقرب الإمام، بحيث يشغل الكلام فيها عن استماع الخطبة، فأما إذا كان المسجد واسعا والحلقة بعيدة من الإمام بحيث لا يدركها صوته فلا بأس بذلك.
وقد رأيت كافة شيوخنا من الفقهاء والمحدثين يفعلونه، وجاء مثله عن عدة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم».
وقال بدر الدين العيني: «وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك».
وبهذه العلة لا يتناول النهي درس الجمعة، لأنه يقام قبل الخطبة.
وما ذكره الخطيب البغدادي لا عجب فيه ولا غرابة كما ذكر أحدهم فقال: «والذي يقرأ كلام الخطيب هذا لا يكاد يصدق أن هذا الكلام في فهم الحديث له، إذ يؤخذ منه أن البعيد عن الإمام في المسجد يوم الجمعة له أن يشتغل عن الخطبة بمدارسة العلم وبالحديث، ولذلك استغربت كلامه، ومن جاءته السنة فلا حجة تقوم لها إلا أن تعارض ولا يمكن الجمع، أو يقع الإجماع على خلافها، ولا شيء في ذلك هنا، فترك هذا الدرس هو الحق».
أقول: هذا الكلام يدل على أن صاحبه غير مطلع على المسألة ولا يدري مذاهب العلماء فيها، وهي من مسائل الخلاف عند السلف والخلف.
وهي متفرعة عن مسألة البعيد إذا لم يسمع الخطبة، هل يلزمه الإنصات أو يجوز له التنفل بالصلاة وقراءة القرآن والذكر؟
فمنهم من منع ذلك أخذا بظاهر حديث «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ»، ومنهم من أجاز ذلك.
وعن المسألة يقول الكاساني من الحنفية: «ثم ما ذكرنا من وجوب الاستماع والسكوت في حق القريب من الخطيب، فأما البعيد منه إذا لم يسمع الخطبة كيف يصنع؟
اختلف المشايخ فيه، قال محمد بن سلمة البلخي: الإنصات له أولى من قراءة القرآن، وهكذا روى المعلى عن أبي يوسف، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري.
ووجهه ما روي عن عمر وعثمان أنهما قالا: «إِنَّ أَجْرَ الْمُنْصِتِ الذي لَا يَسْمَعُ مِثْلُ أَجْرِ الْمُنْصِتِ السَّامِعِ».
ولأنه في حال قربه من الإمام كان مأمورا بشيئين: الاستماع، والإنصات، وبالبعد إن عجز عن الاستماع لم يعجز عن الإنصات فيجب عليه.
وعن نصير بن يحيى أنه أجاز له قراءة القرآن سرا، وكان الحكم بن زهير من أصحابنا ينظر في كتب الفقه.
ووجهه أن الاستماع والإنصات إنما وجب عند القرب ليشتركوا في ثمرات الخطبة بالتأمل والتفكر فيها، وهذا لا يتحقق من البعيد عن الإمام، فَلْيُحْرِزْ لنفسه ثواب قراءة القرآن ودراسة كتب العلم، ولأن الإنصات لم يكن مقصودا بل ليتوصل به إلى الاستماع، فإذا سقط عنه فرض الاستماع سقط عنه الإنصات أيضا، والله أعلم».
ويقول ابن قدامة من الحنابلة: «ولا فرق بين القريب والبعيد لعموم ما ذكرناه ......
وقال القاضي: يجب الإنصات على السامع ويستحب لمن لا يسمع، لأن الإنصات إنما وجب لأجل الاستماع، والأول أولى لعموم النصوص، وللبعيد أن يذكر الله تعالى ويقرأ القرآن ويصلي على النبي ﷺ ولا يرفع صوته.
قال أحمد: لا بأس أن يصلي على النبي ﷺ فيما بينه وبين نفسه.
ورخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والشافعي.
وليس له رفع صوته ولا المذاكرة في الفقه ولا الصلاة ولا أن يجلس في حلقة.
قال ابن عقيل: له صلاة النافلة والمذاكرة في الفقه».
التعليل الثالث: لأن جلوسهم حلقا حلقا يضيق المسجد على الناس فيحصل الازدحام، وربما بقي المصلون خارجه ينتظرون، أما إذا كان المسجد واسعا لا يضيق بالمصلين ولا يحصل فيه ازدحام فلا يكره التحلق.
ومن ثَمَّ بوب الإمام البيهقي على الحديث فقال: «باب من كره التحلق في المسجد إذا كانت الجماعة كثيرة والمسجد صغيرا، وكان فيه منع المصلين عن الصلاة».
وقال الإمام الطحاوي: «التحلق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ذلك لا بأس به».
وهذا التعليل الذي ذكره البيهقي والطحاوي ينطبق على التحلق لا على درس الجمعة.
4 ـ وقت النهي عن التحلق.
قوله: «وَنَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ»، يحتمل أمرين:
الأول: أن النهي عن التحلق عام يشمل جميع الوقت قبل صلاة الجمعة ولو في الغداة.
والثاني: أنه مخصوص بالوقت الذي يسبق صلاة الجمعة لا ما قبله، أي الوقت الذي يخرج فيه الأمام ليصعد فيه الخطيب إلى المنبر لإلقاء الخطبة.
وظاهر قوله: «قَبْلَ الصَّلَاةِ» يؤيد الاحتمال الثاني، وهو ما ورد أيضا في رواية الإمام الطبراني «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ»، فيكون النهي عن التحلق لئلا يشغله ذلك عن سماع الخطبة، وسماعها واجب، ودرس الجمعة يسبق الخطبة ولا يمنع من الاستماع إليها، وبهذا يكون الاستدلال بالحديث على منع الدرس ضعيفا.
ثانيا: مناقشة الاستدلال بأنه أمر محدث لم يفعله النبي ﷺ.
يناقش هذا الاستدلال من وجهين:
1 ـ أن البدعة التي جاء النهي عنها هي ما كان في أمر التعبد مما يقصد به التقرب إلى الله عزّ وجلّ.
ولذا قال ابن رجب في تعريفها: «والمراد بالبدعة ما أُحْدِثَ ممَّا لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأمَّا ما كان له أصلٌ مِنَ الشَّرع يدلُّ عليه فليس ببدعةٍ شرعا وإنْ كان بدعةً لغة».
وقال الإمام الشاطبي: «فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه».
والدرس ليس من هذا القبيل، لأن لا يعدو أن يكون وسيلة من وسائل التعليم اختير لها هذا الوقت لأنه أنسب الأوقات.
والمدرسون لا يعتقدون أبدا أن الدرس من شروط الجمعة أو من سننها وآدابها، ولا يعتبرونه كخطبة الجمعة.
وفي السنة ما يشهد لجواز جلوس الخطيب قبل الخطبة على كرسي الدرس ليعلم الناس ما يجهلون من أمور دينهم.
فعن حُمَيْد بن هلال قال: قال أبو رِفَاعَةَ: «انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لاَ يَدْرِى مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا.
قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا».
قال الإمام النووي: «وقعوده ﷺ على الكرسي ليسمع الباقون كلامه ويروا شخصه الكريم، ويقال كُرْسي بضم الكاف وكسرها والضم أشهر، ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبي ﷺ فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها، ويحتمل أنه لم يحصل فصل طويل، ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلقا بالخطبة فيكون منها ولا يضر المشي في أثنائها».
ومع كل هذه الاحتمالات التي ذكرها النووي في شرح الحديث، فالذي يعنينا ويفيدنا أن النبي ﷺ تصدر للتعليم وجلس على كرسي التدريس ثم صعد المنبر وخطب، وهو الأمر الذي نحن بصدد تقريره.
2 ـ لو قلنا: إن إقامة الدرس يوم الجمعة قبل الصلاة أمر محدث لم يكن في عهد النبي ﷺ فوجب تركه، لكان واجبا تطبيق هذه القاعدة وتعميمها في كل ما تركه النبي ﷺ ولم يفعله، كالتدريس في سائر الأيام في أوقات محددة، والمواد التي تدرس، وطرق التدريس وأساليبه، لأنها ليست على نفس الشاكلة التي كانت في العهد النبوي.
ولم يكن النبي ﷺ يلتزم وقتا معينا يلقي فيه الدرس، ومع ذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونه، ولو علموا أن تخصيص وقت للدرس بدعة مخالفة لهدي النبي ﷺ ما فعلوا ذلك.
فعن شَقِيقٍ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلاَّ كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا».
فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يجلس في كل يوم خميس للتدريس وموعظة الناس، ولم ير في تخصيص الوقت بالدرس والمداومة عليه شيئا يخالف الهدي النبوي.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعكرمة: «حَدِّثْ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ».
فأمره أن يحدث الناس بالقرآن والحديث والوعظ مرة في كل أسبوع، فإن أراد الزيادة فمرتين، فإن أراد الإكثار فثلاث مرات في الأسبوع، ولا يكثر جدا حتى لا يمل الناس الموعظة.
ويؤخذ من قول ابن عباس رضي الله عنهما أن نحسن استغلال الفرص المناسبة للتذكير والإرشاد والأوقات المواتية للتعليم.
ومما لا شك فيه أن غالبية المصلين يرتادون المساجد يوم الجمعة حتى تزدحم بهم، وينقطعون عنها في سائر الأيام إلا قليلا، ولا يحضرون الدروس الأسبوعية، فتقتضي المصلحة استغلال يوم الجمعة أحسن استغلال لتعليم الناس أمور دينهم، وترغيبهم في الخير، وتصحيح المفاهيم الخاطئة والمعلومات البعيدة عن تعاليم الإسلام.
ويفيد قول ابن عباس رضي الله عنهما جواز تحديث الناس يوم الجمعة، إذ لو كان شيئا محظورا لاستثناه ونهى عنه.
ثالثا: مناقشة الاستدلال بأنه ليس من هدي السلف رضي الله عنهم.
القول بأن التعليم والوعظ قبل الجمعة لم يكن من هدي السلف رضي الله عنهم غير صحيح، لأنه قد ثبت عنهم فعل ذلك، وسأبين ذلك من خلال الأمثلة الآتية.
1 ـ روى ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَدَّادِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةٍ قَالَ: «أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مُزَيْنَةَ لَيْسَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ طَعَنَ أَوْ طُعِنَ، أَوْ ضَرَبَ أَوْ ضُرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلُوا، وَلَبِسُوا مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِمْ، وَمَسُّوا مِنْ طِيْبِ نِسَائِهِمْ، ثُمَّ أَتَوا الْجُمُعَةَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَبُثُّونَ العِلْمَ وَالسُنَّةَ حَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ».
وهذا إسناد حسن، وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، قال الإمام أحمد: «كان وكيع بن الجراح إمام المسلمين في وقته».
وقال ابن حجر في التقريب: «ثقة حافظ عابد، مات سنة سبع وتسعين ومائة».
وشداد بن سعيد الراسبي أبو طلحة، روى عنه مسلم في الشواهد، ووثقه أحمد وابن معين والنسائي والبزار، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال العقيلى: «له غير حديث لا يتابع على شيء منها».
وقال البخاري: «ضعفه عبد الصمد»، أي عبد الصمد بن عبد الوارث.
وقال ابن عدي: «ليس له كثير حديث، ولم أر له حديثا منكرا، وأرجو أنه لا بأس به».
فحديثه وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو لا ينزل عن رتبة الحسن، ولهذا قال عنه الذهبي في الميزان: «صالح الحديث»، وقال الحافظ في التقريب: «صدوق يخطئ».
ومعاوية بن قُرَّة بن إياس المُزَنِيُّ أبو إياس البصريُّ، تابعي جليل، أخرج له البخاري ومسلم.
وغمز صاحب العجالة هذا الأثر بقوله: «فانظر سنده، أما متنه ففيه نكارة».
أقول: قد نظرت في سنده كما تقدم وهو لا ينزل عن درجة الحسن.
وأما القول بأن متنه فيه نكارة، فلا أدري أين النكارة التي ذكر، وقد أورده الحافظان المزي والذهبي مستشهدين به ولم يذكرا فيه طعنا ولا استنكراه.
2 ـ وروى ابن أبي شيبة قال: حَدَّثَنَا جَدِّي أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الإِمَامُ».
وهذا إسناد صالح لا بأس به، أبو عامر العقدي شيخ ابن أبي شيبة هو عبد الملك بن عمرو القيسي البصري الحافظ، أخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما.
ومحمد بن هلال بن أبي هلال المدني مولى بن كعب المذحجي، ذكره ابن حبان في الثقات.
وقال أحمد والنسائي: «ليس به بأس».
وقال الحافظ في التقريب: «صدوق من السادسة، مات سنة اثنتين وستين».
وأبوه هلال بن أبي هلال التابعي المدني، قال أبو حاتم: «ليس بمشهور».
وقال أحمد: «قال: لا أعرفه».
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في الميزان: «وقد وُثِّقَ».
وذكر الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد عند تخريجه لحديث محمد بن هلال عن أبيه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ قُمْنَا لَهُ حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ»، قال: «رواه البزار، وهكذا وجدته فيما جمعته، ولعله عن محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة، وهو الظاهر، فإن هلالا تابعي ثقة».
ولما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري المسمين هلال بن أبي هلال قال: «ولهم شيخ ثالث يقال له هلال بن أبي هلال، تابعي أيضا، روى عنه ابنه محمد، وهو أصلح حالا في الحديث منهما».
وقال في التقريب: «مقبول من الرابعة».
فالأثر بهذا الإسناد حسن، وهو شاهد قوي لما قبله.
3 ـ وروى ابن أبي شيبة قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنِي حَتَّى خَرَجَ الإِمَامُ».
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، حماد بن خالد الخياط أبو عبد الله البصري، ثقة، روى له مسلم في صحيحه والأربعة.
ومعاوية بن صالح بن حدير أبو عمرو الحضرمي، ثقة كثير الحديث، روى له البخاري في جزء القراءة ومسلم والأربعة.
وأبو الزاهرية حدير بن كريب الشامي التابعي ثقة، روى له البخاري في جزء القراءة ومسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
وعبد الله بن بُسْر الْمَازِنِيُّ أبو بُسْر الْحِمْصِيُّ رضي الله عنه، صاحب النبي ﷺ، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة رضي الله عنهم.
4 ـ وروى الخطيب البغدادي قال: «أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدِ بْنِ زَرْقُوَيْهِ، أَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، نَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، نَا عَفَّانُ، نَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ قال: «رَأَيْتُ أَبَا الْعَلَاءِ وَالْجَرِيرِي وَأَبَا نَعَامَةَ الْحَنَفِيَّ وَأَبَا نَعَامَةَ السَّعْدَيَّ وَمَيْمُونَ بْنَ سِيَاهٍ وَأَبَا نَضْرَةَ يَتَحَلَّقُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
قَالَ عَفَّانٌ: وَذَكَرَ مَهْدِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ أَحْفَظْهُمْ».
وإسناد هذا الأثر صحيح متصل، شيخ الخطيب أبو الحسن محمد بن أحمد ابن محمد بن أحمد بن رزق بن عبد الله بن يزيد البغدادي البزاز، قال عنه الخطيب: «كان ثقة صدوقا كثير السماع والكتابة، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، مديما للتلاوة».
وأبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله بن يزيد البغدادي الدقاق ابن السماك، مسند بغداد، قال الدارقطني: كان من الثقات.
وقال الخطيب: كان ابن السماك ثقة ثبتا.
وأبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، سئل عنه الدارقطني فقال: كان صدوقا.
وقال الخطيب: كان ثقة ثبتا، ووصفه الذهبي في تذكرة الحفاظ بقوله: الحافظ الثقة.
وعفان بن مسلم بن عبد الله الصفار أبو عثمان البصري، من رجال البخاري ومسلم.
ومهدي بن ميمون أبو يحيى الأزدي المِعِوِلِي مولاهم البصري، ثقة، حديثه في البخاري ومسلم.
وهؤلاء الذين ذكر عنهم أنهم كانوا يتحلقون يوم الجمعة قبل الصلاة من التابعين رضي الله عنهم.
5 ـ وروى الطبراني قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بْنِ الإِمَامِ، نَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ».
قُلْتُ لِأَبِي حَفْصٍ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ يَحْيَى؟
قَالَ: أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ.
قَالَ أَبُو حَفْصٍ: رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِي جَاءَ إِلَى حَلْقَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَعَدَ خَارِجًا مِنَ الْحَلْقَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: ادْخُلْ فِي الْحَلْقَةِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَنْتَ حَدَّثْتَنِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ».
فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: أَنَا رَأَيْتُ حَبِيبَ بْنَ الشَّهِيدِ وَهِشَامَ بْنَ حَسَّانٍ وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ يِتَحَلَّقُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَؤُلَاءِ بَلَغَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ تَحَلَّقُوا فَسَكَتَ يَحْيَى».
وهذا الإسناد صحيح، وهؤلاء الذين كانوا يتحلقون قبل الجمعة من خيرة أتباع التابعين ومن أئمة الحديث.
6 ـ وروى سحنون في المدونة قال: «قال ابن القاسم: رأيت مالكا والإمام يوم الجمعة على المنبر قاعد ومالك متحلق في أصحابه قبل أن يأتي الإمام وبعدما جاء يتحدث، ولا يقطع حديثه ولا يصرف وجهه إلى الإمام، ويُقْبِلُ هو وأصحابه على حديثهم كما هم حتى يسكت المؤذن، فإذا سكت المؤذن وقام الإمام للخطبة تحول هو وجميع أصحابه إلى الإمام فاستقبلوه بوجوههم.
قال ابن القاسم: وأخبرني مالك أنه رأى بعض أهل العلم ممن مضى يتحلق في يوم الجمعة ويتحدث، فقلت لمالك: متى يجب على الناس أن يستقبلوا الإمام بوجوههم؟ قال: إذا قام يخطب وليس حين يخرج».
فهذا فعل مالك رحمه الله وأصحابه، وقد رأى شيوخه من قبله وهم من التابعين ومن كبار أتباع التابعين يفعلونه.
رابعا: مناقشة القول بأن الدرس يشغل الناس عن بالصلاة والذكر.
القول بأن المسلم مطالب يوم الجمعة بالاشتغال بذكر الله وقراءة القرآن والصلاة، وأن الدرس يشغل عن ذلك يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك.
بل ربما كانت حاجة الناس إلى التعلم والتفقه في الدين أكثر من حاجتهم إلى الاشتغال بالنوافل، لأنه بالعلم تحيا القلوب وتزكو النفوس ويستقيم السلوك وتصح العبادة.
وطلب العلم في المساجد مما جاء الترغيب فيه والحث عليه، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».
ولو لم يَأْتِ في شرف العلم والاجتماع للتعلم في المساجد إلا هذا الحديث لكان كافيا.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ».
وحِلَقُ الذِّكْرِ لا تنحصر في مجالس التسبيح والتحميد والتهليل، بل تعم جميع المجالس التي يُذْكَرُ فيها اسم الله تعالى، ومنها مجالس العلم التي يذكر فيها أمر الله تعالى ونهيه، وتعرف فيها شريعته وما أحلّه وما حرّمه.
يقول الإمام الشوكاني: «والحاصل أن الجماعة المشتغلين بذكر الله عز وجل أي ذكر كان، والمشتغلين بالعلم النافع وهو علم الكتاب والسنة وما يتوصل به إليهما، هم يرتعون في رياض الجنة».
ونصوص أئمة السلف في فضل السعي لطلب العلم وارتياد مجالس التعليم كثيرة لا تنحصر، ويكفي أن نذكر بعضا منها.
فعن عطاء الخراساني التابعي قال: «مَجَالِسُ الذِّكْرِ هِيَ مَجَالِسُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، كَيْفَ يَشْتِرِي وَيَبِيعُ، وَيُصَلِّي وَيَصُومُ، وَيَنْكِحُ وَيُطَلِّقُ، وَيَحَجُّ، وَأَشْبَاهُ هَذَا».
وقال يحيى بن أبي كثير من أتباع التابعين: «تَعْلِيمُ الْفِقْهِ صَلَاةٌ، وَدِرَاسَةُ الْقُرْآنِ صَلَاةٌ».
وعن ابن وهب قال: «كُنْتُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَجَاءَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ ـ أَوْ الْعَصْرِ ـ وَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَمَعْتُ كُتُبِي وَقُمْتُ لِأَرْكَعَ، فَقَالَ لِي مَالِكٌ: مَا هَذَا؟ قُلْتُ: أَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعَحَبٌ، مَا الَّذِي قُمْتَ إِلَيْهِ بِأَفْضَلَ مِنَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ، إِذَا صَحَّتْ النَّيَّةُ فِيهِ».
وقال الشافعي: «طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنَ النَّافِلَةِ».
وعن الإمام أحمد قال: «طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ».
وبناء على هذا يكون الجلوس لسماع الدرس من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر، ينال بذلك درجة المتطوع بالنافلة.
وبهذا صرح الإمام أبو طالب المكي حيث قال: «وروينا في خبر عن النبي ﷺ أنه «نَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ»، إلا أن يكون عالماً باللّه تعالى يُذَكِّرُ بأيام اللّه عزّ وجلّ ويفقه في دين اللّه عزّ وجلّ، يتكلم في الجامع بالغداة، فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور إلى الجمعة والاستماع إلى العلم».
وقرره أيضا الإمام أبو حامد الغزالي حيث قال: «ولا ينبغي أن يحضر الحلق قبل الصلاة، وروى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ»، إلا أن يكون عالما بالله يُذَكِّرُ بأيام الله ويفقه في دين الله، يتكلم في الجامع بالغداة، فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور وبين الاستماع، واستماع العلم النافع في الآخرة أفضل من اشتغاله بالنوافل».
خامسا: مناقشة القول بأن الدرس يتسبب في التشويش على الناس.
ما قيل بأن الدرس يحصل به التشويش على المصلين ويسبب الأذى لهم برفع الصوت، فالجواب عنه أن يقال: إن رفع الصوت في المسجد منهي عنه عند عامة أهل العلم إلا فيما لا بد منه كالعلم، فليس في رفع المدرس صوته في الدرس بقدر ما تدعو إليه الحاجة شيء ممنوع، لأن المصلحة تقتضي ذلك.
ولو مُنِعَ من رفع صوته في الدرس يوم الجمعة لَمُنِعَ أيضا في سائر الأيام لأن الحكم واحد، ولا أظنهم يقولون بذلك.
سادسا: مناقشة القول بأن خطبة الجمعة تُغْنِي عن الدرس.
ما قيل ليس على إطلاقه، فإن الذين اعتادوا على درس الجمعة في البلاد الإسلامية أو الأجنبية كان هدفهم من ذلك تبسيط أحكام الدين وتقريب مسائل الشرع من المسلمين، إما بتقديم الدرس باللغات المحلية أو استخدام اللهجات المحلية ليتسنى لمعظم المصلين الفهم لأنهم لا يعرفون العربية الفصحى.
وفي الختام أقول: هذا ما تيسر لي جمعه في هذه المسألة، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك، وأسأل الله تعالى أن ينفع به كل من قرأه أو سمعه، وأن يتقبله بقبول حسن، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ونافعا لعباده المؤمنين الصادقين، إنه سميع مجيب الدعاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.