من يسخط على الزوجة لأنها تنجب البنات

موضوع المسألة: من يسخط على الزوجة لأنها تنجب البنات.


🔴 السؤال:

مرت ابنة عمي في حياتها الزوجية بتجربة قاسية، إذ أنجبت أربع بنات، مما جعل زوجها وأفراد أسرته يسخطون عليها لإنجابها البنات، فما وجه نظر الشريعة لمن يسخط على إنجاب البنات؟ وهل هناك أسباب معقولة لعدم الرغبة في إنجابهن؟ وهل من ولدت له بنت أصيب بنقمة؟


🔴 الجواب:

ظاهرة السخط على إنجاب البنات قديمة، ويحكي لنا القرآن الكريم ما كان يقع في جزيرة العرب أيام الجاهلية، فقد كان الواحد منهم إذا بُشِّرَ بأن امرأته قد ولدت له أنثى صار وجهه مسودا من شدة الحزن وظل ممتلئا بِالهَمِّ والكرب من سوء ما بُشِّرَ به.
وكان الرجل يكره أن تولد له أنثى، وامرأته تكره أن تلد أنثى خشية من فراق زوجها إياها، وقد يهجر الرجل امرأته إذا ولدت أنثى.
ولما فشت فيهم كراهية ولادة الأنثى نمت في نفوسهم بغضها وتحركت فيها الخواطر الإِجرامية، فكانوا يدفنونها وهي حية.
وسجل القرآن الكريم حالهم فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾[النحل: 58 ـ 59]. 
وللأسف الشديد فإن هناك من المسلمين حتى في يومنا هذا يفعلون مثل ما كان يفعله العرب في الجاهلية، يكرهون إنجاب البنات، وربما طلقوا الزوجة بسبب ذلك، أو أعادوا الزواج بأخرى، أو ينهالون على من تنجب البنات ضربا وشتما لا نهاية له.
وقد جهل هؤلاء أن الأولاد رزق من الله تعالى يعطيه من يشاء من عباده، فيقول عزّ وجلّ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ  ﴾[الشورى: 49 ـ 50]. 
أما أسباب عدم الرغبة في إنجاب البنات فترجع إلى عدة أمور، أما في الماضي فإن أهل الجاهلية كانوا يكرهون البنات خشية من إغارة العدوّ عليهم فيسبي نساءهم، أوخشية الإِملاق أي الفقر، لأن الذكر يحتال للكسب بالغارة والتجارة وغير ذلك والأنثى عالة على أهلها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31].
وتشابهت الأسباب عند الناس اليوم، وإن أعطوا للظاهرة تفسيرات أخرى، لكنها في النهاية مردها إلى الخوف من البنات إذا وقعن في انحراف فتتشوّه سمعة الأسرة، أو الخوف من بقائها عانسا بدون زواج، أو الخوف منها إذا طلقت وما ينتج عن ذلك من آثار.
كما أن البعض يشمئز من إنجاب البنات، لأنهن لا يحملن لقب العائلة، أو لسن قادرات على تحمل المسؤولية عند الحاجة إلى ذلك، ونحو ذلك من المبررات الواهية. 
ومن ولدت له بنت فقد أتاه الله خيرا وبركة لا مصيبة ونقمة، فإن البنت نعمة ومنة من الله عز وجل، وينبغي للمؤمن أن يفرح بما رزقه الله من الأولاد سواء كانوا ذكورا أو إناثا، لأن المعطي هو الله، ولا اعتراض على ما أعطاه وقدّره. 
وقد جاءت أحاديث صحيحة تدل على فضل من رُزِقَ البنات وأحسن إليهن.
من ذلك ما رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله : «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ».
ورواه أحمد وابن حبان بلفظ: «مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ بَنَاتٍ، أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ، حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ، كُنْتُ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى»
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا فَسَأَلَتْنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ البَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّار».  
وروى أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «مَنْ كُنَّ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمُهُنَّ وَيَكْفُلُهُنَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ البَتَّةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَتْ اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ اثْنَتَيْنِ، قَالَ: فَرَأَى بَعْضُ القَوْمِ أَنْ لَوْ قَالُوا لَهُ وَاحِدَةً لَقَالَ وَاحِدَةً».
ورواه الطبراني بلفظ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَحَثَّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يَكْفُلُهُنَّ وَيُؤَدِّبُهُنَّ وَيُزَوِّجُهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اثْنَتَيْنِ، قَالَ: اثْنَتَيْنِ».