استحباب حمل العصا في الخطبة
موضوع المسألة: استحباب حمل العصا في الخطبة.
🔴 السؤال:
من أعضاء المجلس العلمي لمديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية الجزائر، نلتمس من حضرتكم تفصيل القول في مسألة حمل الخطيب للعصا يوم الجمعة، لرفع اللبس وإزالة الخلاف، وشكرا.
🔴 الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وأصحابه أجمعين.
من المسائل التي جرى فيها الكلام في الآونة الأخيرة وخاض فيها بعض المنتسبين إلى طلبة العلم، وأثاروا حولها النقاش، وشغلوا بها أنفسهم ومن حولهم من رواد المساجد، مسألة حمل العصا أثناء خطبة الجمعة أو الخطب الأخرى كالعيدين والاستسقاء.
والمسألة لا تعدوا أن تكون من مسائل الخلاف في الفروع، ولا تتعلق بأصل من أصول الدين أو قاعدة من قواعد الشريعة، ولم تكن في يوم من الأيام عبر التاريخ الإسلامي الطويل سببا في حصول الفرقة بين المسلمين والتنازع بينهم، غير أن البعض لا يهنأ له بال ولا يقر له قرار إلا بإثارة مسائل الخلاف وشواذّ الأقوال وغرائب النقول ومفردات الفقهاء، ولهذا آثرت البحث فيها لعلي أساهم في إزالة الغموض وحل الإشكال.
الخلاف شر.
إنها كلمة عظيمة النفع جليلة القدر قالها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما عاب على عثمان رضي الله عنه صلاته بمنى أربعا، فقال عبد الله: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ.
قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا؟ قَالَ: الْخِلاَفُ شَرٌّ».
وإن من أكبر الإثم أن يتسبب المرء في إحداث الفرقة والاختلاف بين المسلمين، لدوافع شخصية أو اعتبارات حزبية أو بواعث مذهبية أو أغراض نفسية.
وكان الأئمة الأعلام رضي الله عنهم لا يحبذون مخالفة الناس فيما اختاروه لأنفسهم من أقوال المجتهدين، اقتداء بأصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يختلفون في بعض المسائل، فيقر بعضهم بعضا ولا يجدون في أنفسهم حرجا في ذلك.
فعن يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من خيرة التابعين أنه قال: «مَا بَرِحَ أُولُو الْفَتْوَى يُفْتُونَ، فَيُحِلُّ هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا، فَلَا يَرَى الْمُحَرِّمُ أَنَّ الْمُحِلَّ هَلَكَ لِتَحْلِيلِهِ، وَلَا يَرَى الْمُحِلُّ أَنَّ الْمُحَرِّمَ هَلَكَ لِتَحْرِيمِهِ».
وقال سفيان الثوري: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الَّذِي قَدْ اخْتُلِفَ فِيهِ وَأَنْتَ تَرَى غَيْرَهُ فَلَا تَنْهَهُ».
وهذا مالك بن أنس لما سأله الخليفة أبو جعفر المنصور أن يكتب نسخا عديدة من الموطأ ويبعث بها إلى الأمصار ويأمرهم أن يعملوا بما فيه لا يتعدونه إلى غيره ويَدَعُوا ما سواه، أبى مالك ذلك وقال له: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَفْعَلْ هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ أَقَاوِيلُ، وَسَمِعُوا أَحَادِيثَ، وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ وَعَمِلُوا بِهِ وَدَانُوا بِهِ مِنَ اخْتِلَافِ النَّاسِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّ رَدَّهُمْ عَمَّا اعْتَقَدُوهُ شَدِيدٌ، فَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ وَمَا اخْتَارَ كُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ لِأَنْفُسِهِمْ».
وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ خَرَجَ مِنهُ الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ تُصَلِّي خَلْفَهُ؟ فَقَالَ: «كَيْفَ لَا أُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٍ».
وقال ابن تيمية: «التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف حتى يصير بعضهم يبغض بعضا ويعاديه ويحب بعضا ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض، وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله، والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي أوجبها الله ورسوله».
فليت شبابنا يعي هذا الأمر جيدا ويفهموا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام ويستوعبوه فيستريحوا من شر الخلاف، ويوطنوا أنفسهم على الوحدة والاجتماع والائتلاف ونبذ الفرقة والاختلاف.
أقوال الأئمة في حمل العصا أثناء الخطبة.
اختلف الأئمة في حكم حمل العصا أثناء الخطبة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الاستحباب، وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية.
أولا: نصوص المذهب المالكي.
جاء في المدونة قال ابن القاسم: «وقال مالك في خطبة الإمام يوم الجمعة: يمسك بيده عصا، قال مالك: وهو من أمر الناس القديم.
قلت له: أعمود المنبر يعني مالكا أم عصا سواه؟
قال: لا، بل عصا سواه».
وقال مالك: «وليس يخرج في صلاة الاستسقاء بمنبر، ولكن يتوكأ الإمام على عصا».
وجاء في العتبية في سماع ابن القاسم من مالك قال: «واستحب لكل من خطب في جمعة أو عيدين أو استسقاء أن يتوكأ على عصا».
قال ابن رشد: «مثل هذا في المدونة وغيرها، ولا يكتفي بعمود المنبر، كان ممن يرقى عليه أو يخطب إلى جانبه، وهي السنة من فعل رسول الله ﷺ، كان إذا خطب توكّأ على عصا أو قوس، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون بعده، وقد قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».
وقال خليل في مختصره في عدّ مستحبات الجمعة: «وَتَوَكُّؤٌ عَلَى كَقَوْسٍ».
وقال الخرشي في شرحه: «ومنها أن يتوكأ الخطيب في خطبته على عصا أو قوس غير عود المنبر ولو خطب بالأرض، ويكون في يمينه، وهو من الأمر القديم، وفعله النبي ﷺ والخلفاء بعده، خوف العبث بمس لحيته أو غيرها، وقيل غير ذلك، وإنما استحب كون العصا غير عود المنبر لأنه لا يمكنه إرساله خوف سقوطه بخلاف عود المنبر فإنه يمكنه أن يرسله ولا يسقط، والعصا أولى، فإن لم توجد فالقوس أو السيف، ولو ذكر المؤلف العصا لكان أولى لأنها المذكورة في المدونة، فهي الأصل، وسوى ابن حبيب بها القوس».
ثانيا: نصوص المذهب الشافعي.
قال الشافعي: «وَيَعْتَمِدُ الذي يَخْطُبُ على عَصًا أو قَوْسٍ أو ما أَشْبَهَهُمَا، لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ النبي ﷺ كان يَعْتَمِدُ على عَصًا».
وقال أيضا: «وَأُحِبُّ لكل من خطب أَيَّ خُطْبَةٍ كانت أن يعتمد على شيء، وإن ترك الاعتماد أَحْبَبْتُ له أن يُسْكِنَ يديه وجميعَ بدنه ولا يعبث بيديه، إما أن يضع اليمني على اليسرى، وإما أن يُسْكِنَهُمَا، وإن لم يضع إحداهما على الأخرى وترك ما أَحْبَبْتُ له كُلَّهُ أو عَبِثَ بهما أو وضع اليسرى على اليمنى كَرِهْتُهُ له ولا إعادة عليه».
وقال النووي: «يسن أن يعتمد علي قوس أو سيف أو عصا أو نحوها لما سبق.
قال القاضى حسين والبغوى: يستحب أن يأخذه في يده اليسرى، ولم يذكر الجمهور اليد التي يأخذه فيها.
وقال أصحابنا: ويستحب أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر، قالوا: فإن لم يجد سيفا أو عصا ونحوه سكن يديه بأن يضع اليمنى على اليسرى أو يرسلهما، ولا يحركهما ولا يعبث بواحدة منهما، والمقصود الخشوع والمنع من العبث».
ثالثا: نصوص المذهب الحنبلي.
قال ابن مفلح في كتاب الفروع: «واعتماده على سيف أو قوس أو عصا وبإحدى يديه، ويتوجه باليسرى، والأخرى بحرف المنبر أو يرسلها، وإن لم يعتمد أمسك يمينه بشماله أو أرسلهما».
وقال المرداوي: «قوله: «ويعتمد على سيف أو قوس أو عصى»، بلا نزاع، وهو مخير بين أن يكون ذلك في يمناه أو يسراه، ووجه في الفروع توجيها يكون في يسراه.
وأما اليد الأخرى فيعتمد بها على حرف المنبر أو يرسلها، وإذا لم يعتمد على شيء أمسك يمينه بشماله أو أرسلهما».
القول الثاني: الإباحة، وهو قول مالك في العتبية.
ففي سماع ابن القاسم من مالك أنه سئل عن العصا فقال: «ما أدركت أحدا ممن أدركت ولا ممن كان عندنا إلا وهو لا يعيبها، وإن قائلا ليقول: إن فيها لشُغْلًا عن مس اللحية والعبث».
قال ابن رشد: «وظاهر هذه الرواية أن إمساك الخطيب بيده عصا مباح، والذي مضى في آخر رسم سلعة سماها أن ذلك مستحب، وهو الصحيح، لأنه الماضي من فعل النبي ﷺ والخلفاء بعده».
القول الثالث: الكراهة، وهو قول جمهور الحنفية.
ذكر الأحناف أن المستحب أن يخطب الإمام في الجمعة بسيف في البلاد التي فتحت به، وأما غيرها فلا، ويكره حمل العصا والقوس.
وأما في خطبة الاستسقاء والكسوف فالأحسن أن يعتمد على قوس أو عصا.
قال برهان الدين ابن مازة: «وكذلك إذا خطب متكئاً على عصا أو على قوس جاز، إلا أنه يكره، لأنه خلاف السنّة».
وقال ابن نجيم: «وفي الْمُضْمَرَاتِ معزيا إلى روضة العلماء: الحكمة في أن الخطيب يَتَقَلَّدُ سيفا ما قد سمعت الفقيه أبا الحسن الرُّسْتُغْفَنِيَّ يقول: كل بلدة فتحت عنوة بالسيف يخطب الخطيب على منبرها متقلدا بالسيف، يريهم أنها فتحت بالسيف، فإذا رجعتم عن الإسلام فذلك السيف باق في أيدي المسلمين نقاتلكم به حتى ترجعوا إلى الإسلام.
وكل بلدة أسلم أهلها طَوْعًا يخطبون فيها بلا سيف، ومدينة النبي ﷺ فتحت بالقرآن، فيخطب الخطيب بلا سيف، وتكون تلك البلدة عُشْرِيَّةً، ومكة فتحت بالسيف فيخطب مع السيف؛ اهـ.
وهذا مفيد لكونه يتقلد بالسيف لا أنه يمسكه بيده كما هو المتعارف، مع أن ظاهر ما في الخلاصة كراهة ذلك، فإنه قال: ويكره أن يخطب متكئا على قوس أو عصا، لكن قال في الحاوي الْقُدْسِيِّ: إذا فرغ المؤذنون قام الإمام والسيف بيساره وهو متكئ عليه؛ اهـ.
وهو صريح فيه، إلا أن يفرق بين السيف وغيره، وفي الْمُجْتَبَى: ويخطب بالسيف في البلدة التي فتحت بالسيف».
قال ابن عابدين: «ونقل الْقُهُسْتَانِيُّ عن المحيط أن أخذ العصا سنة كالقيام».
وقال السرخسي في آداب صلاة الاستسقاء: «ولا بأس بأن يعتمد في خطبته على عصا، وأن يتنكب قوسا به ورد الأثر، وهذا لأن خطبته تطول فيستعين بالاعتماد على عصا».
خلاصة الأقوال.
الذي نستنتجه من أقوال أئمة المذاهب الفقهية أنهم مجمعون على مشروعية توكئ الخطيب في يوم الجمعة على شيء، سواء كان قوسا أو عصا أو سيفا كما يقول الجمهور، أو سيفا دون العصا والقوس على قول عامة الحنفية.
وعلى هذا المعنى يحمل كلام القرطبي: «والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا»، وليس ما فهمه البعض فطعن في نقله الإجماع واستشكله.
كما يؤخذ من كلامهم أن التوكؤ على العصا مشروع في سائر الخطب كالاستسقاء والعيد.
رأي ابن القيم في حمل العصا.
ذكر الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه زاد المعاد أن النبي ﷺ كان إذا خطب يوم الجمعة يأخذ العصا.
فقال رحمه الله: «وكان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكَّأ عليها وهو على المنبر، كذا ذكره عنه أبو داود عن ابن شهاب، وكان الخلفاءُ الثلاثةُ بعده يفعلون ذلك، وكان أحياناً يتوكأْ على قوس، ولم يُحفظ عنه أنه توكأ على سيف، وكثيرٌ من الجهلة يظن أنه كان يُمْسِكُ السيفَ على المنبر، إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح من وجهين.
أحدهما: أن المحفوظَ أنه ﷺ توكأ على العصا وعلى القوس.
الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي، وأمّا السيف فَلِمَحْقِ أهل الضلال والشرك، ومدينةُ النبي ﷺ التي كان يخطب فيها إنما فُتِحَت بالقُرآن، ولم تُفتح بالسيف».
ثم ذكر بعد ذلك أن النبي ﷺ حمل العصا قبل اتخاذ المنبر، أما بعده فلم يعتمد على شيء، فقال: «ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيرَه، وإنما كان يعتَمِد على قوس أو عصا قبل أن يتَّخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا.
ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائما، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف، فَمِن فَرطِ جهله، فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف، ولا قوس، ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفا البتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس».
وتعقبه القسطلاني في المواهب اللدنية فقال: «وينظر في قوله: ولم يكن يأخذ بيده سيف ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتَّخذ المنبر».
وعلق عليه محمد الزرقاني في شرحه فقال: «فإنه مخالف لما مرّ أنه كان يخطب متوكئا على قوس أو عصا، كيف وفي أبي داود: كَانَ إِذَا قَامَ يَخْطُبُ أَخَذَ عَصًا فَتَوَكَّأَ عَلَيهَا وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ».
وذهل عنه الألباني فقال: «لا أصل له بهذه الزيادة «وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ» فيما أعلم».
وفيما قاله الألباني نظر، لأن الذي قصده الزرقاني ما رواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب الزهري قال: «بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يبْدَأُ فَيَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الأُولَى، ثُمَّ جَلَسَ شَيْئًا يَسِيرًا، ثمَّ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى إِذَا قَضَاهَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ إِذَا قَامَ أَخَذَ عَصًا فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ».
وقول ابن القيم رحمه الله كان عمدة جماعة من المتأخرين في نفي حمل العصا حال الخطبة، وهو مردود من وجوه:
أحدها: أن الأحاديث المروية في حمل العصا لم يأت فيها أن النبي ﷺ أخذ العصا قبل اتخاذ المنبر ثم تركها بعد ذلك، وهذا التفريق يحتاج إلى دليل يثبته.
والثاني: يستفاد من مجموع الأحاديث أن النبي ﷺ أخذ العصا وهو على المنبر.
والثالث: عمل السلف رضي الله عنهم، ويكفي ما نقله مالك عن أئمة المدينة زمن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يخطبون والعصي في أيديهم.
والرابع: أن ابن القيم نفسه صرح في الموضع الأول أن النبي ﷺ كان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكَّأ عليها وهو على المنبر.
والخامس: أن قول ابن القيم في الموضع الثاني: «فإنه لا يُحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف، ولا قوس، ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفا البتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس»، يحتمل أنه أراد به أن النبي ﷺ بعد اتخاذ المنبر لم يحفظ عنه من وجه يصح أن أخذ آلة حربية سواء كانت سيفا أو قوسا أو غيرها، وإنما كان يتوكأ على عصا أو ربما اعتمد على قوس.
أدلة القول باستحباب حمل العصا.
1 ـ عمل أهل المدينة.
اعتمد مالك رحمه الله تعالى في أخذ العصا أو القوس على عمل أهل المدينة المنورة.
قال ابن القاسم: «وقال مالك في خطبة الإمام يوم الجمعة: يمسك بيده عصا، قال مالك: وهو من أمر الناس القديم».
وقال سحنون: «عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب أنه قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يبدأ فيجلس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام فخطب الخطبة الأولى ثم جلس شيئا يسيرا، ثم قام فخطب الخطبة الثانية، حتى إذا قضاها استغفر الله ثم نزل فصلى.
قال ابن شهاب: وكان إذا قام أخذ عصا فتوكأ عليها وهو قائم على المنبر، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك.
ابن وهب: وقال مالك: وذلك مما يستحب للأئمة أصحاب المنابر أن يخطبوا يوم الجمعة ومعهم العصي يتوكئون عليها في قيامهم، وهو الذي رأينا وسمعنا».
وهذا الفعل منهم رضي الله عنهم مشهور بينهم توارثوه كابرا عن كابر وأخذوه خلفا عن سلف.
ومذهب مالك تقديم العمل على الحديث وإن كان صحيحا، وذلك لأن عملهم على خلاف حديث المصطفى لا يكون إلا لموجب، وفي هذه المسألة جاءت الأحاديث والآثار تؤيد العمل ولا تخالفه.
2 ـ عن شُعَيْبُ بْنُ زُرَيْقٍ الطَّائِفِيِّ قال: «جَلَسْتُ إِلَى رَجُلٍ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ، فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا قَالَ: وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ تَاسِعَ تِسْعَةٍ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زُرْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَأَمَرَ بِنَا أَوْ أَمَرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّأْنُ إِذْ ذَاكَ دُونٌ، فَأَقَمْنَا بِهَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا».
3 ـ عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ بِمِخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ».
والمِخْصَرَةُ شيء يتوكأ عليه كالعصا.
قال في القاموس المحيط: «والمِخْصَرَةُ كمِكْنَسَةٍ، ما يُتَوَكَّأُ عليه كالعَصا ونَحْوِهِ، وما يأخُذُه المَلِكُ يُشيرُ به إذا خاطَبَ والخَطيبُ إذا خَطَبَ».
4 ـ عن البراء بن عازب رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نُووِلَ يَوْمَ الْعِيدِ قَوْسًا فَخَطَبَ عَلَيْهِ».
5 ـ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ.
قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ الرِّجَالَ وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى قَوْسٍ.
قَالَ: ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَخَطَبَهُنَّ وَحَثَّهُنَّ عَلَى الصَّدَقَةِ.
قَالَ: فَجَعَلْنَ يَطْرَحْنَ الْقِرَطَةَ وَالْخَوَاتِيمَ وَالْحُلِيَّ إِلَى بِلَالٍ.
قَالَ: وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا».
6 ـ عن ابن جُرَيْجٍ قال: «قُلْت لِعَطَاءٍ: أَكَانَ رسول اللَّهِ ﷺ يَقُومُ عَلَى عَصًا إذَا خَطَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيهَا اعْتِمَادًا».
7 ـ عن ابن شهاب الزهري قال: «بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يبْدَأُ فَيَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الأُولَى، ثُمَّ جَلَسَ شَيْئًا يَسِيرًا، ثمَّ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى إِذَا قَضَاهَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ إِذَا قَامَ أَخَذَ عَصًا فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ».
8 ـ عن هشام بن عروة قال: «رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ وَفِي يَدِهِ عَصًا».
9 ـ عن طلحة بن يحيى قال: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْطُبُ وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ».
وهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض ويقوي بعضها بعضا، وأقل أحوالها أن يكون الحكم الذي اجتمعت عليه حسنا، وبهذا تعلم أن القول باستحباب أخذ العصا في الخطبة هو الراجح.
وما ذكره بعض الحنفية من أنه خلاف السنة فهو قول مرجوح يرده ما تقدم من الأدلة، ومن أثبت حجة على من نفى وأنكر.
علة حمل العصا أثناء الخطبة.
للعلماء في حكمة حمل العصا أو القوس عدة أقول نوجزها فيما يأتي:
الأول: أن في الاعتماد عليهما شغلا عن مس اللحية والعبث باليد.
الثاني: أن الاعتماد عليهما أعون للخطيب وأمكن لروعه وأهدأ لجوارحه.
الثالث: أن فيه الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح.
الرابع: أن فيه تخويف الحاضرين.
كيفية حمل العصا.
من النقول السابقة يتضح أن للعلماء في حمل العصا ثلاثة طرق:
الأول: التخيير في حملها بين أن تكون في يمينه أو يساره، ويمسك بيده الأخرى جانب المنبر أو يرسلها.
والثاني: استحباب أخذها بالشمال، وهو المنصوص عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة.
وعلله الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي بقوله: «وحكمته الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح، ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد الجهاد به».
ومرّ في كلام ابن نجيم الحنفي قوله: «قال في الحاوي الْقُدْسِيِّ: إذا فرغ المؤذنون قام الإمام والسيف بيساره وهو متكئ عليه».
والثالث: استحباب أخذها باليمين، وهو المنصوص عند المالكية.
قال ابن رشد: «فالاختيار عندي لمن لا يمسك بيده عصا يتوكأ عليها في خطبته أن يقوم على يسار المنبر ليعتمد بيمينه على عمود، ولمن يمسك بيده عصا أن يقوم على يمينه».
وكلام ابن رشد في الإمام إذا خطب على الأرض والمنبر إلى جنبه، هل يكون على يمين المحراب أو على يساره؟
وقد ذكر أن فيه توسعة إلا أنه اختار التفصيل المذكور، ويؤخذ من كلامه أن أخذ العصا يكون باليمين.
وصرح بأخذها باليمين ابن الحاج في المدخل فقال: «وينبغي له أن يأخذ السيف أو العصا أو غيرهما بيده اليمنى إذ إنها السنة، ولأن تناول الطهارات إنما يكون باليمين والمستقذرات بالشمال».
وكذا ذكره الخرشي في شرح المختصر والنفراوي في شرح الرسالة.
ومما يؤيد أخذها باليمين أن شرعت للتوكئ والاعتماد عليها كما صرح بذلك في الحديث، والعادة الغالبة في التوكئ عليها أن تكون في اليمين، كما قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ﴾ . [طه: 17 ــ 18].
فإذا لم تكن العصا موجودة عند الخطبة، فبعضهم قال: يضع اليمنى على اليسرى، والبعض الآخر قال: يمسك بيديه جانب المنبر، أو يرسلهما.
يقول الشيخ زكريا الأنصاري: «فإن لم يجد شيئا من ذلك سكن يديه خاشعا بأن يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما، والغرض أن يخشع ولا يعبث بهما كما مر، فلو أمكنه أن يشغل اليمنى بحرف المنبر ويرسل الأخرى لم يبعد».
فائدة.
قال ابن الحاج: «ويحذر أن يضرب بما في يده على درج المنبر لوجهين:
أحدهما: أنه لم يكن من فعل من مضى، والخير كله في الاتباع لهم كما تقدم.
الثاني: أن المنبر وقف، والضرب عليه على الدوام مما يضر به ويخلقه.
وإن كان قد قال بعض الناس بجوازه لكنه محجوج بما ذكر من الاتباع».
وقال الصنعاني: «ويكره دق المنبر بالسيف إذ لم يؤثر فهو بدعة».
الخاتمة.
هذا ما تسنى لي جمعه في المسألة، وأرجو أن أكون قد وفقت في عرضها وتوضيحها، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل سببا في جمع الكلمة وتوحيد الصف والتقريب بين وجهات النظر، والتقليل من أسباب الخلاف.
ووفق الله كل من قرأه أو سمعه أو استفاد منه، و جعلنا وإياهم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.